الأربعاء، 26 أكتوبر، 2011



أذكر هذا اليوم جيدا....يوم قابلته، أذكره وأذكر تاريخه وتفاصيله، وأذكر تلك الابتسامة العذبة الصافية التي لم تفارقه أبدا، وأذكر كلماته الأولي لي.....أذكر كل هذا ولا أنساه.

أحصي تلك المواقف القليلة التي كانت بيننا، لكنني لا أحصي كم أثرت فيّ وكم تركت فى قلبي بصمات واضحة، ولا أتعجب، فتفسير ذلك أجده فى كل مَن حوله، وفي كل انسان عامله أو خالطه أو صاحبه.

أري آثاره واضحة، وإن لم يكن يسمع خطواته أحد، ألمس ابتسامته العذبة وصدره السليم النقس الطاهر فى إخوانه من بعده، ولعلهم إن قرئوا كلماتي تلك يبكون أذشد من بكائي الآن.

أذكر أيضا كيف عانقني من أسبوعين بدفء وصدق وحنان، ولو كنت أعلم الغيب، لأعطيت ذلك العناق حقه، فيالحسرتي، إذن نحسب أن أناسا لنا باقون، وأن تقصيرنا فى حقهم لن يدوم، وننسي أيـُّـنا يفارق أخيه أولا.........آآآآآآه ياليتني احتضنته وقتها بقوة، ياليتني قبلت رأسه يومها، ولكن....

وأذكر كيف كان خبر الحادثة فاجعا صادما عجيبا، شابٌ فى العشرينات من عمره يدق الموت بابه بلا موعد ولا استئذان، نزيفٌ فى المخ، وكسور خطيرة، وهو الآن فى العناية المركزة.....يــــــــــا الـــلـــــه أيُّ رسالة متكررة تلك؟!!

لا زلت أذكر وفاة (عمر عيد) فى العام الماضي، نفس العمر ونفس الروح البهية الملائكية، ونفس الحادثة.......وكأن الله يبعثها إلي قوية، أن انتظر دورك.

لا أعلم ما كان شعورى طوال هذين اليومين، أملٌ ضعيف فى البقاء، ورهبة شديدة من اللقاء، حتي أني ما ذهبت للمشفي، لكني سألت.....فأخبروني، وتخيلت، فبكيت، ذلك الوجه البشوش.......كيف صار الآن؟!!

ثم رجُّني خبر وفاته رجا، ودارت الدنيا من حولي، وتماسكت بقوة، وحاولت أن أحبس دموعي فلم أستطع، ونزلت مسرعا، فلما سألوني: أذاهبٌ أنت إلي هناك، قلت: لا فلن أستطيع، ولم أفق إلا وأنا أمام ذلك المبني (مستشفي الطوارئ) ونظرت إليه جيدا وقلت فى نفسي: لعلك الآن ترقد آمنا فى إحدي الغرف أخي، فبكيت بشدة إلي أن وجدت إخواني هناك واقفين، فزادتني دموعهم دموعا، وآلامهم آلاما، وسمعت أحدهم يقول: هو الآن فى الثلاجة.
فزاد البكاء عنفا عندما تخيلت هذا المنظر......أيا أيها الجسد الطيب المسكين، إن روحك الآن فرحة سعيدة فلا تجزع.

وأغمضت عيني وتخيلت نفسي مكانه، وعلمت كم أن هذه الحياة حقيرة تافهة لاتستحق، ثم تمثلت بعض إخواني مكانه، فعلا نحيبي ورفعت يدي أن يارب لاتتوفني إلا وأنت راض عني، ولاتتوفهم إلا وقد ضمنتَ لهم الجنة، وغرست فى قرارة صدورهم تجاوزا منهم عن زلاتي وعثراتي وأخطائي.

وتذكرتك ياأخي، وعلمت كم أن الله يحبك أن اصطفاك من بيننا، ليريحك من أذي هذه الدنيا، فلعله اشتاق إليك، واشتاق إلي روحك معه، فأخذك من بيننا، لتسأنس به عنا، وتسعد بقربه منا، وتشفع عنده لنا، فلا تنسنا.....

(الله أكبر....الله أكبر) وسمعت أذان العشاء، وكأنني أسمعه لأول مرة فى حياتي، فجففت دموعي بصعوبة، ثم أخرجت هاتفي فى لا وعي، وأرسلت له رسالة أعلم أنه لن يقرئها:


سبقتنا يا أخي إلي الجنة